تَفْسِيرُ ٱلْمُيَسَّر
Tafsir Al-Muyassar —
کنگ فہد قرآن کمپلیکس
لما قتل قابيلُ أخاه لم يعرف ما يصنع بجسده، فأرسل الله غرابًا يحفر حفرةً في الأرض ليدفن فيها غرابًا مَيِّتًا؛ ليدل قابيل كيف يدفن جُثمان أخيه؟ فتعجَّب قابيل، وقال: أعجزتُ أن أصنع مثل صنيع هذا الغراب فأستُرَ عورة أخي؟ فدَفَنَ قابيل أخاه، فعاقبه الله بالندامة بعد أن رجع بالخسران.
تَفْسِيرُ ٱلْجَلَالَيْنِ
Tafsir al-Jalalayn —
جلال الدین محلی اور جلال الدین سیوطی
«فبعث الله غرابا يبحث في الأرض» ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت حتى واراه «ليريه كيف يواري» يستر «سوأة» جيفة «أخيه قال يا ويلتى أعجزت» عن «أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين» على حمله وحفر له وواره.
تَفْسِيرُ ٱلْقُرْطُبِيِّ
Tafsir al-Qurtubi —
علامہ قرطبی
قوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمينفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه ، وكان ابن آدم هذا أول من قتل ، وقيل : إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ; لأنه من عادة الغراب فعل ذلك ; فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه . وروي أن قابيل لما قتل هابيل جعله في جراب ، [ ص: 97 ] ومشى به يحمله في عنقه مائة سنة ; قاله مجاهد ، وروى ابن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة ; وقاله ابن عباس ، وقيل : حتى أروح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب كما تقدم ، وفي الخبر عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له ، وقال قوم : كان قابيل يعلم الدفن ، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به ، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه ، فقال عند ذلك : يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه ، ولم يكن ذلك ندم توبة ، وقيل : إنما ندمه كان على فقده لا على قتله ، وإن كان فلم يكن موفيا شروطه . أو ندم ولم يستمر ندمه ; فقال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه ، ويقال : إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه . ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه . ويقال : دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض ، ويقال : إن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية ، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش ، فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله . قال ابن عباس : فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم ، وهو أول من يساق من الآدميين إلى النار ; وذلك قوله تعالى : ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس الآية ، فإبليس رأس الكافرين من الجن ، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس ; على ما يأتي بيانه في " حم فصلت " إن شاء الله تعالى ، وقد قيل : إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة ، والله بكل ذلك أعلم وأحكم ، وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم ; ولذلك جهلت سنة المواراة ; وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل ، وقوله يبحث معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره . ومن هذا سميت سورة " براءة " البحوث ; لأنها فتشت عن المنافقين ; ومن ذلك قول الشاعر :إن الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوني كان فيهم مباحثوفي المثل : لا تكن كالباحث على الشفرة ; قال الشاعر :فكانت كعنز السوء قامت برجلها إلى مدية مدفونة تستثيرها[ ص: 98 ] الثانية : بعث الله الغراب حكمة ; ليرى ابن آدم كيفية المواراة ، وهو معنى قوله تعالى : ثم أماته فأقبره ، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق ، فرضا على جميع الناس على الكفاية ، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين . وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه ، ثم الجيرة ، ثم سائر المسلمين ، وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات ; قال : اذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي .الثالثة : ويستحب في القبر سعته وإحسانه ; لما رواه ابن ماجه عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفروا وأوسعوا وأحسنوا ، وروي عن الأدرع السلمي قال : جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم ; فإذا رجل قراءته عالية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : هذا مراء ; قال : فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله . قال : وحضر حفرته فقال : أوسعوا له وسع الله عليه فقال بعض أصحابه : يا رسول الله لقد حزنت عليه ؟ فقال : أجل إنه كان يحب الله ورسوله ; أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد . قال أبو عمر بن عبد البر : أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا ، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري ; وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري ، كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما ، واستشهد أبوه عامر يوم أحد . سكن هشام البصرة ومات بها ; ذكر هذا في كتاب الصحابة .الرابعة : ثم قيل : اللحد أفضل من الشق ; فإنه الذي اختاره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد والآخر لا يلحد ; فقالوا : أيهما جاء أولا عمل عمله ، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; ذكره مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه ، وأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما ، والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة ; وكان أبو طلحة يلحد وأبو عبيدة يشق ، واللحد هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة ، يوضع فيه الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب ; قال سعد بن أبي [ ص: 99 ] وقاص في مرضه الذي هلك فيه : ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم . أخرجه مسلم . وروى ابن ماجه وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللحد لنا والشق لغيرنا .الخامسة : روى ابن ماجه عن سعيد بن المسيب قال : حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال : بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أخذ في تسوية [ اللبن على ] اللحد قال : اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر ، اللهم جاف الأرض عن جنبيها ، وصعد روحها ولقها منك رضوانا . قلت يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قلته برأيك ؟ قال : إني إذا لقادر على القول ! بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا .فهذا ما تعلق في معنى الآية من الأحكام ، والأصل في يا ويلتى يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألف ، وقرأ الحسن على الأصل بالياء ، والأول أفصح ; لأن حذف الياء في النداء أكثر ، وهي كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك ; قاله سيبويه ، وقال الأصمعي : " ويل " بعد ، وقرأ الحسن : " أعجزت " بكسر الجيم . قال النحاس : وهي لغة شاذة ; إنما يقال عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها ، وعجزت عن الشيء عجزا ومعجزة ومعجزة ، والله أعلم .
تَنْوِيرُ ٱلْمِقْبَاسِ مِن تَفْسِيرِ ٱبْنِ عَبَّاس
Tafsir Tanwir al-Miqbas —
حضرت ابن عباسؓ
البعث هنا مستعمل في الإلهام بالطيران إلى ذلك المكان ، أي فألْهم الله غراباً ينزل بحيث يراه قابيل . وكأنّ اختيار الغراب لهذا العمل إمّا لأنّ الدفن حيلة في الغِربان من قبلُ ، وإمّا لأنّ الله اختاره لذلك لمناسبة ما يعتري الناظر إلى سواد لونه من الانقباض بما للأسيف الخاسر من انقباض النفس . ولعلّ هذا هو الأصل في تشاؤم العرب بالغراب ، فقالوا : غُراب البين .والضمير المستتر في «يُريَه» إن كان عائداً إلى اسم الجلالة فالتعليل المستفاد من اللام وإسناد الإرادة حقيقتان ، وإن كان عائداً إلى الغراب فاللام مستعملة في معنى فاء التفريع ، وإسناد الإرادة إلى الغراب مجاز ، لأنّه سبب الرؤية فكأنَّه مُرِيءٌ . و { كيف } يجوز أن تكون مجرّدة عن الاستفهام مراداً منها الكيفية ، أو للاستفهام ، والمعنى : ليريه جواب كيف يُواري .وَالسَّوْأة : مَا تَسُوء رؤيتُه ، وَهِي هنا تغيّر رائحة القتيل وتقطّع جسمه .وكلمة { يَا ويلتا } من صيّغ الاستغاثة المستعملة في التعجّب ، وأصله يا لَوَيْلَتِي ، فعوّضت الألف عن لام الاستغاثة نحو قولهم : يا عَجَباً ، ويجوز أن يجعل الألف عوضاً عن ياء المتكلم ، وهي لغة ، ويكون النّداء مجازاً بتنزيل الويلة منزلة ما يُنَادَى ، كقوله : { يَا حسرتى على ما فرّطتُ في جنب الله } [ الزمر : 56 ] . والاستفهام في { أعجزت } إنكاري .وهذا المشهد العظيم هو مشهد أوّل حضارة في البشر ، وهي من قبيل طلب سَتر المشاهد المكروهة . وهو أيضاً مشهد أوّللِ علممٍ اكتسبه البشر بالتّقليد وبالتَّجربة ، وهو أيضاً مشهد أوّل مظاهر تَلقّي البشر معارفه من عوالم أضعفَ منه كما تَشَبَّه النَّاس بالحيوان في الزينة ، فلبسوا الجُلُود الحسنة الملوّنة وتكلّلوا بالريش المُلوّن وبالزهور والحجارة الكريمة ، فكم في هذه الآية من عبرة للتَّاريخ والدّين والخُلُق .{ فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } .القول فيه كالقول في { فأصبح من الخاسرين } [ المائدة : 30 ] . ومعنى { من النادمين } أصبح نادماً أشدّ ندامة ، لأنّ { من النادمين } أدلّ على تمكّن الندامة من نفسه ، من أن يقال «نادماً» . كما تقدّم عند قوله تعالى : { وكان من الكافرين } [ البقرة : 34 ] وقوله : { فتكونا من الظالمين في سورة البقرة ( 35 ) .والندم أسف الفاعل على فعل صدر منه؛ لم يتفطّن لما فيه عليه من مضرّة قال تعالى : { أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } [ الحجرات : 6 ] ، أي ندم على ما اقترف من قتل أخيه إذْ رأى الغراب يحتفل بإكرام أخيه الميّت ورأى نفسه يجترىء على قتل أخيه ، وما إسراعه إلى تقليد الغراب في دفن أخيه إلاّ مبدأ النّدامة وحُبِّ الكرامة لأخيه .ويحتمل أن هذا النّدم لم يكن ناشئاً عن خوف عذاب الله ولا قصد توبة ، فلذلك لم ينفعه . فجاء في الصّحيح " ما مِن نفس تُقْتَل ظُلماً إلاّ كان على ابننِ آدم الأوّل كِفْل من دمها ذلك لأنَّه أوّل من سَنّ القتل " ويحتمل أن يكون دليلاً لمن قالوا : إنّ القاتل لا تقبل توبته وهو مروي عن ابن عبّاس ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها } الآية من سورة النّساء ( 93 ) .
ٱلتَّفْسِيرُ ٱلْوَسِيط
Tafsir Al-Waseet —
علمائے جامعہ ازہر
ثم حكى القرآن بعض ما حدث بعد قتل الأخ أخاه فقال : ( فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) .وقوله : ( فَبَعَثَ ) من البعث بمعنى الإِرسال . وهو هنا مستعمل في الإِلهام بالطير إلى ذلك المكان بحيث يراه قابيل .والغراب : طائر معروف . قالوا : والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الطيور أو الحيوان ، لأنه يتشاءم به في الفراق والاغتراب . أو لأن من عادة الغراب دفن الأشياء .وقوله : ( يَبْحَثُ فِي الأرض ) أي : ينبش التراب بمنقابره ورجليه بحيث يستخرجه من الأرض ، ليعمل ما يشبه الحفرة .والتعبير بالمضارع ، للإِشارة إلى أن البحث قد مكث وقتا ، وكان مجال استمرار .وقوله : ( ليريه ) إما متعلق بقوله ( بعث ) فيكون الضمير في الفعل لله - تعالى - أو متعلق بقوله : ( يبحث ) فيكون الضمير للغراب .قال القرطبي : قال مجاهد : بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر ثم حفر فدفنه - فتعلم قابيل ذلك من الغراب - وكان ابن آدم هذا أول من قتل . وقيل إن الغراب بحث الأرض على طعمه - أي : أكله - ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه ، لأن عادة الغرب فعل ذلك ، فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه " ." والسوءة " ما تسوء رؤيته من الجسد ، والمراد بها هنا : جميع جسد الميت وقيل : المراد بها العورة ، لأنها تسوء ناظرها . وخصت بالذكر مع أن المراد مواراة جميع الجسد للاهتمام بها ، لأن سترها آكد .وهذه الآية مرتبطة بكلام يسبقها لم يذكره القرآن الكريم لفهمه من السياق .والتقدير : أن القاتل بعد أن ارتكب جريمته . ورأى جثة أخيه أمامه ملقاة في العراء . تحير ماذا يفعل فيها حتى لا يتركها عرضة لنهش السباع والطيور . ( فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ ) أي : يحفر وينبش بمنقاره ورجلريه متعمقا ( فِي الأرض ) ( لِيُرِيَهُ ) أي : ليعلم ذلك القاتل ويعرفه ( كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ) أي : كيف يستر في التراب جسم أخيه بعد أن فارقته الحياة ، وأصبح عرضة للتغير والتعفن .وقوله - تعالى - ( قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ) بيان لما اعترى هذا القاتل من تحسر وندم .وكلمة ( قَالَ يَاوَيْلَتَا ) أصلها : يا ويلتي . وهي كلمة جزت وتحسر . تستعمل عند وقوع المصيبة العظيمة كأن المتحسر ينادي ويلته ويطلب حضورها ، بعد تنزيلها منزلة من ينادي . ولا يكون ذلك إلى في أشد الأحوال ألما ، والويلة كالويل : ومعناهما الفضيحة والبلية والهلاك .أي : قال القاتل لأخيه ظلما وحسدا بجزع وحسرة - بعد أن رأى غرابا يحفر حفرة ليدفن فيها شيئا - قال ( يَاوَيْلَتَا ) أي : يا فضيحيتي وبليتي أقبليي فهذا وقتك ، لأني قد نزلت بي أسبابك .وقوله : ( أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ) أي : أضعفت عن الحيلة التي تجعلني مثل هذا الغراب فأستر جسد أخي في التراب كما دفن الغراب بمنقاره ورجليه في الأرض ما أراد دفنه؟! والاستفهام في ( أعجزت ) للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب ، مع أنه إنسان فيه عقل ، والغراب طائر من أخس الطيور .وقوله : ( فأوارى ) معطوف على قوله : ( أن أكون ) .وقوله : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) ، تذييل قصد به بيان ما أصاب قابيل بعد أن قتل أخاه عدوانا وحسدا ، ولم يعرف كيف يستر جثته إلا من الغراب .والندم : أسف الفاعل على فعل صدر منه .قال الراغب : الندم والندامة التحسر من تغير رأى في أمر فائت . قال - تعالى - : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) .وأصله من منادمة الحزن له وملازمته إياه .والمعنى : فأصبح قابيل الذي قتل أخاه هابيل بغيا وحسدا من النادمين على ما اقترف من فواحش تدل على جهله ، وبغيه ، وتمكن الحقد من نفسه .قال صاحب المنار : والندم الذي ندمه - قابيل - هو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعله فعله إذا ظهر له أن قفعله كان شرا له لا خيرا . وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله ، والتألم من تعدي حدوده ، وهذا هو المراد بحديث " الندم توبة " - رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم البيهقي .وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة . وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل - أي نصيب - من دمها؛ لأنه أول من سن القتل " .
تَفْسِيرُ ٱلْبَغَوِيِّ
Tafsir al-Baghawi —
علامہ بغوی
( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ) فلما رأى قابيل ذلك قال : يا ويلتا ، كلمة تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر علما منه وأن ما فعله كان جهلا فندم وتحسر ( قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ) أي : جيفته ، وقيل : عورته لأنه قد سلب ثيابه ، ( فأصبح من النادمين ) على حمله على عاتقه لا على قتله ، وقيل : على فراق أخيه ، وقيل : ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه ، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب .قال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب : لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء ، فناداه آدم أين أخوك هابيل؟ قال : ما أدري ما كنت عليه رقيبا ، فقال الله تعالى : إن دم أخيك ليناديني من الأرض ، فلم قتلت أخاك؟ قال : فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا .وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه ، وأمر الماء واغبرت الأرض ، فقال آدم عليه السلام : قد حدث في الأرض حدث ، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول وهو أول من قال الشعر :تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعموقل بشاشة الوجه الصبيحوروي : المليح .وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال إن آدم عليه السلام قال شعرا فقد كذب ، إن محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء ، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني ، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث : يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه ، لم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان ، وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية ، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم ، فوزنه شعرا وزاد فيه أبياتا منها :وما لي لا أجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريحأرى طول الحياة علي غما فهل أنا من حياتي مستريحفلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة ، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا ، وتفسيره : هبة الله ، يعني إنه خلف من هابيل علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار ، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها ، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصي آدم وولي عهده ، وأما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه ، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا أيضا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيتا للنار فهو أول من عبد النار ، وكان لا يمر به أحد إلا رماه ، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له ، فقال ابنه : هذا أبوك قابيل ، فرمى الأعمى أباه فقتله ، فقال ابن الأعمى : قتلت أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه ، فمات فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي .وقال مجاهد : فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه ، في الصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج .قال : واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير ، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام ، وبقي نسل شيث .أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش حدثني عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " .