تَفْسِيرُ ٱلْمُيَسَّر
Tafsir Al-Muyassar —
کنگ فہد قرآن کمپلیکس
بسبب جناية القتل هذه شَرَعْنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قَتْل نفس حرَّمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم. ولقد أتت بني إسرائيل رسلُنا بالحجج والدلائل على صحة ما دعَوهم إليه من الإيمان بربهم، وأداء ما فُرِضَ عليهم، ثم إن كثيرًا منهم بعد مجيء الرسل إليهم لمتجاوزون حدود الله بارتكاب محارم الله وترك أوامره.
تَفْسِيرُ ٱلْجَلَالَيْنِ
Tafsir al-Jalalayn —
جلال الدین محلی اور جلال الدین سیوطی
«من أجل ذلك» الذي فعله قابيل «كتبنا على بني إسرائيل أنه» أي الشأن «من قتل نفسا بغير نفس» قتلها «أو» بغير «فساد» أتاه «في الأرض» من كفر أو زنا أو قطع طريق أو نحوه «فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها» بأن امتنع عن قتلها «فكأنما أحيا الناس جميعا» قال ابن عباس: من حيث انتهاك حرمتها وصونها «ولقد جاءتهم» أي بني إسرائيل «رسلنا بالبينات» المعجزات «ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك.
تَفْسِيرُ ٱلْقُرْطُبِيِّ
Tafsir al-Qurtubi —
علامہ قرطبی
قوله : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفونقوله تعالى : من أجل ذلك أي : من جراء ذلك القاتل وجريرته ، وقال الزجاج : أي : من جنايته ; يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ; مثل أخذ يأخذ أخذا . قال الخنوت :وأهل خباء صالح كنت بينهم قد احتربوا في عاجل أنا آجله[ ص: 100 ] أي : جانيه ، وقيل : أنا جاره عليهم ، وقال عدي بن زيد :أجل إن الله قد فضلكم فوق من أحكأ صلبا بإزاروأصله الجر ; ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول ، ومنه الآجل نقيض العاجل ، وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم ، ومنه أجل بمعنى نعم . لأنه انقياد إلى ما جر إليه ، ومنه الإجل للقطيع من بقر الوحش ; لأن بعضه ينجر إلى بعض ; قاله الرماني ، وقرأ يزيد بن القعقاع أبو جعفر : " من أجل ذلك " بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة ، والأصل " من إجل ذلك " فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة . ثم قيل : يجوز أن يكون قوله : من أجل ذلك متعلقا بقوله : من النادمين ، فالوقف على قوله : من أجل ذلك ، ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو كتبنا . ف ( من أجل ) ابتداء كلام والتمام ( من النادمين ) ; وعلى هذا أكثر الناس ; أي : من سبب هذه النازلة كتبنا ، وخص بني إسرائيل بالذكر - وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ; فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء . ومعنى بغير نفس أي : بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل ، وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس ظلما وتعديا . أو فساد في الأرض أي : شرك ، وقيل : قطع طريق .وقرأ الحسن : " أو فسادا " بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام تقديره ; أو أحدث فسادا ; والدليل عليه قوله : من قتل نفسا بغير نفس لأنه من أعظم الفساد .وقرأ العامة : " فساد " بالجر على معنى أو بغير فساد . فكأنما قتل الناس جميعا اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل الناس جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا ; فروي عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا ، وعنه أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا ، وعنه أيضا . المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ ، وقال مجاهد : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله [ ص: 101 ] جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ; يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك ، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه ، وقال ابن زيد : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ، قال : ومن أحياها أي : من عفا عمن وجب له قتله ; وقاله الحسن أيضا ; أي : هو العفو بعد المقدرة ، وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه ; لأنه قد وتر الجميع ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، أي : يجب على الكل شكره ، وقيل : جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع ; وله أن يحكم بما يريد ، وقيل : كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم . قال ابن عطية : وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله ، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع ; ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا ، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته ، وطعم الآخر ثمر شجرته كلها ، فقد استويا في الحنث ، وقيل : المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع ; لأنه أنكر الشرع ، وفي قوله تعالى : ومن أحياها تجوز ; فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة ، وإلا فالإحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى ، وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمرود اللعين : أنا أحيي وأميت فسمى الترك إحياء . ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات ، وأن أكثرهم مجاوزون الحد ، وتاركون أمر الله .
تَنْوِيرُ ٱلْمِقْبَاسِ مِن تَفْسِيرِ ٱبْنِ عَبَّاس
Tafsir Tanwir al-Miqbas —
حضرت ابن عباسؓ
يتعيّن أن يكون { من أجل ذلك } تعليلاً ل { كتبنا } ، وهو مبدأ الجملة ، ويكون منتهى التي قبلها قوله : { من النّادمين } [ المائدة : 31 ] . وليس قوله { من أجل ذلك } معلّقاً ب«النّادمين» تعليلاً له للاستغناء عنه بمفاد الفاء في قوله { فأصبح } [ المائدة : 31 ] .و { مِن } للابتداء ، والأجْل الجَرّاء والتسبّب أصله مصدر أجَلَ يأجُل ويأجِل كنصر وضرب بمعنى جَنَى واكتسب . وقيل : هو خاصّ باكتساب الجريمة ، فيكون مرادفاً لجَنَى وَجَرَم ، ومنه الجناية والجريمة ، غير أنّ العرب توسّعوا فأطلقوا الأجْل على المكتسب مطلقاً بعلاقة الإطلاق . والابتداء الذي استعملت له ( مِن ) هنا مجازي ، شُبّه سبب الشيء بابتداء صدوره ، وهو مثار قولهم : إنّ من معاني ( مِنْ ) التعليل ، فإنّ كثرة دخولها على كلمة «أجل» أحدث فيها معنى التّعليل ، وكثر حذف كلمة أجل بعدها محدث فيها معنى التّعليل ، كما في قول الأعشى :فآليْت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حَفى حتّى ألاقي محمّداًواستفيد التّعليل من مفاد الجملة . وكان التّعليل بكلمة مِن أجل أقوى منه بمجرّد اللام ، ولذلك اختير هنا ليدلّ على أنّ هذه الواقعة كانت هي السّبب في تهويل أمر القتل وإظهار مثالبه . وفي ذكر اسم الإشارة وهو خصوص { ذلك } قصدُ استيعاب جميع المذكور .وقرأ الجمهور { منْ أجل ذلك } بسكون نون ( مِن ) وإظهار همزة ( أجل ) . وقراءة ورش عن نافع بفتح النّون وحذف همزة أجل على طريقته . وقرأ أبو جعفر { مِننِ اجْل ذلك } بكسر نون ( من ) وحذففِ همزة أجل بعد نقل حركتها إلى النّون فصارت غير منطوق بها .ومعنى { كتبنا } شرعنا كقوله { كُتب عليكم الصّيام } [ البقرة : 183 ] . ومفعول { كتبنا } مضمون جملة { أنّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً } . وَ ( أنَّ ) من قوله { أنَّه } بفتح الهمزة أخت ( إنّ ) المكسورة الهمزة وهي تفيد المصدريّة ، وضمير «أنّه» ضمير الشأن ، أي كتبنا عليهم شأناً مهمّاً هو مماثلةُ قتل نفس واحدة بغير حقّ لقتل القاتل النّاسَ أجمعين .ووجه تحصيل هذا المعنى من هذا التّركيب يتّضح ببيان موقع حرف ( أنّ ) المفتوح الهمزة المشدّد النّون ، فهذا الحرف لا يقع في الكلام إلاّ معمولاً لعامل قبله يقتضيه ، فتعيّن أنّ الجملة بعد ( أنّ ) بمنزلة المفرد المعمول للعامل ، فلزم أنّ الجملة بعد ( أنّ ) مؤوّلة بمصدر يسبك ، أي يؤخذ من خبر ( أنّ ) .وقد اتّفق علماء العربيّة على كون ( أنّ ) المفتوحة الهمزة المشدّدة النّون أختاً لحرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة ، وأنّها تفيد التّأكيد مثل أختها .واتّفقوا على كون ( أنْ ) المفتوحة الهمزة من الموصولات الحَرْفيّة الخمسة الّتي يسبك مدخولها بمصدر .وبهذا تزيد ( أنّ ) المفتوحة على ( إنّ ) المكسورة . وخبر ( أنّ ) في هذه الآية جملة { من قَتل نفساً بغير نفس } الخ . وهي مع ذلك مفسّرة لضمير الشأن . ومفعول { كتبنا } مأخوذ من جملة الشّرط وجوابه ، وتقديرُه : كتبنا مُشابهةَ قتِل نفس بغير نفس الخ بقتل النّاس أجمعين في عظيم الجرم .وعلى هذا الوجه جرى كلام المفسّرين والنحويين . ووقع في «لسان العرب» عن الفرّاء ما حاصله : إذا جاءت ( أنّ ) بعد القول وما تصرّف منه وكانت تفسيراً للقول ولم تكن حكاية له نصبتَها ( أي فتحت همزتها ) ، مثل قولك : قد قلتُ لك كلاماً حَسناً أنّ أباك شريف ، تفتَح ( أنّ ) لأنّها فسَّرت «كلاماً» ، وهو منصوب ، ( أي مفعول لفعل قُلت ) فمفسِّره منصوب أيضاً على المفعوليّة لأنّ البيان له إعراب المبيَّن . فالفراء يثبت لِحرف ( أنّ ) معنى التفسير عِلاوة على ما يثبته له جميع النحويين من معنى المصدريّة ، فصار حرف ( أنّ ) بالجمع بين القولين دَالاّ على معنى التّأكيد باطّراد ودالاّ معه على معنى المصدريّة تارة وعلى معنى التّفسير تارة أخرى بحسب اختلاف المقام . ولعلّ الفرّاء ينحُو إلى أنّ حرف ( أنّ ) المفتوحة الهمزة مركّب من حرفين هما حرف ( إنّ ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون ، وحرف ( أنْ ) المفتوحة الهمزة الساكنة النّون الّتي تكون تارة مصدريّة وتارة تفسيرية؛ ففتْحُ همزته لاعتبار تركيبه من ( أنْ ) المفتوحة الهمزة السّاكنة النّون مصدريّة أو تفسيرية ، وتشديد نونه لاعتبار تركيبه من ( إنّ ) المكسورة الهمزة المشدّدة النّون ، وأصله و ( أنْ إنّ ) فلمّا رُكِّبَا تداخلت حروفهما ، كما قال بعض النّحويين : إن أصل ( لن ) ( لا أنْ ) .وهذا بيان أنّ قتل النّفس بغير حقّ جُرم فظيع ، كفظاعة قتل النّاس كلّهم . والمقصود التّوطئة لمشروعيّة القصاص المصرّح به في الآية الآتية { وكتبنا عليهم فيها أنّ النّفس بالنّفس } [ المائدة : 45 ] الآية .والمقصود من الإخبار بما كتب على بني إسرائيل بيان للمسلمين أنّ حكم القصاص شرع سالف ومراد لله قديم ، لأنّ لمعرفة تاريخ الشرائع تبصرة للمتفقّهين وتطميناً لنفوس المخاطبين وإزالة لما عسى أن يعترض من الشبه في أحكام خفيتْ مصالحُها ، كمشروعية القصاص ، فإنّه قد يبدو للأنظار القاصرة أنّه مداواة بمثل الدّاء المتداوَى منه حتّى دعا ذلك الاشتباهُ بعضَ الأمم إلى إبطال حكم القصاص بعلّة أنّهم لا يعاقبون المذنب بذَنْب آخر ، وهي غفلة دقّ مسلكها عن انحصار الارتداع عن القتل في تحقّق المُجازاة بالقتل؛ لأنّ النفوس جُبلت على حبّ البقاء وعلى حبّ إرضاء القُوّة الغضبيّة ، فإذا علم عند الغضب أنّه إذا قتل فجزاؤه القتل ارتدع ، وإذا طمِع في أن يكون الجزاء دون القتل أقدم على إرضاء قوّته الغضبيّة ، ثُمّ علّل نفسه بأنّ ما دون القصاص يمكن الصّبر عليه والتفادي منه . وقد كثر ذلك عند العرب وشاع في أقوالهم وأعمالهم ، قال قائلهم ، وهو قيس بن زهير العبسي :شَفيت النفسَ من حَمل بن بدر ... وسيفي من حُذيفة قد شَفَانِيولذلك قال الله تعالى : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } [ البقرة : 179 ] .ومعنى التشبيه في قوله : { فكأنّما قتل النّاس جميعاً } حثّ جميع الأمّة على تعقّب قاتل النّفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوائِه أو الستر عليه ، كلّ مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض ، من ولاة الأمور إلى عامّة النّاس . فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنّه قد قتل النّاس جميعاً ، ألا ترى أنّه قابل للعفو من خصوص أولياء الدم دون بقية النّاس . على أنّ فيه معنى نفسانياً جليلاً ، وهو أنّ الداعي الّذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني النّاشىء عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النّفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم ، فالّذي كان من حيلته ترجيحُ ذلك الدّاعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشّريفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دَوْماً إلى هضم الحقوق ، فكلّما سنحت له الفرصة قَتل ، ولو دعته أن يقتل النّاس جميعاً لفعل . ولك أن تجعل المقصد من التشبيه توجيه حكم القصاص وحقّيّته ، وأنّه منظور فيه لحقّ المقتول بحيث لو تمكّن لما رضي إلاّ بجزاء قاتله بمثل جرمه؛ فلا يتعجّب أحد من حكم القصاص قائلاً : كيف نصلح العالم بمثل ما فسد به ، وكيف نداوي الداء بداء آخر ، فبُيّن لهم أنّ قاتل النّفس عند وليّ المقتول كأنّما قتل النّاس جميعاً . وقد ذُكرتْ وجوه في بيان معنى التشبيه لا يقبلها النّظر .ومعنى { ومن أحياها } من استنقذها من الموت ، لظهور أنّ الإحياء بعد الموت ليس من مقدور النّاس ، أي ومن اهتمّ باستنقاذها والذبّ عنها فكأنّما أحيى الناس جميعاً بذلك التّوجيه الّذي بيّنّاه آنفاً ، أو من غلَّب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكفّ عن القتل عند الغضب .{ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِى الارض لَمُسْرِفُونَ } .تذييل لحكم شرع القصاص على بني إسرائيل ، وهو خبر مستعمل كناية عن إعراضهم عن الشريعة ، وأنّهم مع ما شدّد عليهم في شأن القتل ولم يزالوا يقتلون ، كما أشعر به قوله { بعد ذلك } ، أي بعد أن جاءتهم رسلنا بالبيّنات . ٍ وحذف متعلِّق «مسرفون» لقصد التّعميم . والمراد مسرفون في المفاسد الّتي منها قتل الأنفس بقرينة قوله : { في الأرض } ، فقد كثر في استعمال القرآن ذكر { في الأرض } [ البقرة : 60 ] مع ذكر الإفساد .وجملة { ثمّ إنّ كثيراً منهم } عطف على جملة { ولقد جاءتهم رسلنا بالبيّنات } . و ( ثُمّ ) للتراخي في الرتبة ، لأنّ مجيء الرّسل بالبيّنات شأن عجيب ، والإسراف في الأرض بعد تلك البيّنات أعجب . وذِكر { في الأرض } لتصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه ، كما في قوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف : 56 ] . وتقديم { في الأرض } للاهتمام وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهميّة شأنَها .وقرأ الجمهور { رسُلنا } بضمّ السّين . وقرأه أبو عمرو ويعقوب بإسْكان السّين .
ٱلتَّفْسِيرُ ٱلْوَسِيط
Tafsir Al-Waseet —
علمائے جامعہ ازہر
ثم بين - سبحانه - بعد أن ساق ما جرى بين ابني آدم - ما شرعه من شرائع تردع المعتدى ، وتبشر التقي فقال - تعالى - ( مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) .وأصل معنى الأجل : الجناية التي يخشى منها آجلا . يقال : أجل الرجل على أهله شراً يأجله - بضم الجيم وكسرها - أجلا إذا جناه أو أثاره وهيجه ، ثم استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم : من أجلك فعلت كذا . أي بسببك ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل .والجار والمجرور ( من أجل ) متعلق بالفعل ( كتبنا ) واسم الإِشارة ( ذلك ) يعود ما ذكر في تضاعيف قصة ابن آدم من أنواع المفاسد المترتبة على هذا القتل الحرام .والمعنى : يبسبب قتل قابيل لأخيه هابيل حسداً وظلما ، ومن أجل ما يترتب على القتل بغير حق من مفاسد ( كَتَبْنَا ) أي فرضنا وأوجبنا ( على بني إِسْرَائِيلَ ) في التوراة ما يردع المعتدي وما يبشر المتقي .قال الجمل : قال بعضهم : إن قوله : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين ) - والمعنى : فأصبح من النادمين من أجل ذلك . يعني من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره ، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله : من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول ، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله ( مِنْ أَجْلِ ذلك ) ابتداء كلام متعلق بقوله ( كَتَبْنَا ) فلا يوقف عليه .و ( من ) هنا للسببية . أي : بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير .وعبر - سبحانه - عن السببية . بمن لبيان الابتداء في الحكم . وأنه اقترن بوقوع تلك الجرية النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها .وقد الجار والمجرور على ما تعلق به وهو ( كتبنا ) لإفادة الحصر أي : من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر .وعبر - سبحانه - بقوله ( كتبنا ) للإِشارة إلى أن الأحكام التي كتبها ، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل ، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها ، ولا يفرطوا في شيء منها .وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء ، وقتلا للمصلحين ، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين ، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد ، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقة كما يعرفون أبناءهم ، كما حملهم على محاولة قتله ولكن الله - تعالى نجاه من شرورهم .وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل؛ لأنه أرشده إلى ما يصلحه .وقوله - تعالى - : ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها .والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا ، كتبنا في التوراة على بني إسرائيل ( أنه ) أي : الحال والشأن ( مَن قَتَلَ نَفْساً ) واحدة من النفوس الإِنسانية ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) .أي : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه ( أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض ) أي : أو بغير فساد في الأرض يوجب إهدار الدم - كالردة وزنا المحصن - ( فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً ) لأن الذي يقتل نفسا بغير حق ، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإِسلام بشرائعه وأحكامه ، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة ، فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا ، إذا النفس الواحدة تمثل النوع الإِنساني كله . ( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) أي : ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها ، كأن استنقذها مما يؤدي بها إلى الهلاك والأذى الشديد ، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق ، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا .وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء ، وحفظ النفوس من العدوان عليها ، حيث شبه - سبحانه 0 قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا ، وإحياءها بإحياء الناس جميعا .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف شبه الواحد بالجميع ، وجعل حكمه كحكمهم؟قلت : لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله ، وثبوت الحرمة . فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته ، وعلى العكس . فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك .فإن قلت : فلما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت : نعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها ، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها ، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا ، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذي أراد إحياءها .وقال الإِمام ابن كثير : قال الحسن وقتادة في قوله - تعالى - ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ) . . إلخ .هذا تعظيم لتعاطي القتل . قال قتادة : عظيم والله وزرها ، وعظيم والله أجرها . وقيل للحسن : هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال : إي والذي لا إله غيره - هي لنا 0 كما كانت لهم . وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا .وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ) : العموم أي : نفسا يحرم قتلها من بني الإِنسان .وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل ، لأن القتل في هذه الحالة يؤدي إلى اضطراب أحوال الجماعة ، وإشاعة الفتنة فيها . قال القرطبي : روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى : من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره ، فكأنما أحيا الناس جميعا .ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى ، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء ، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإِنسانية ، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام .وقوله . ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) متعلق بالفعل قبله وهو ( قتل ) . وقوله ( أو فساد ) مجرور عطفا على نفس المجرورة بإضافة غير إليها .و " ما " في قوله ( فَكَأَنَّمَا ) كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها .وقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ ) لبيان لموقف بني إسرائيل القبيح مما جاءهم من هدايات على أيدي أنبيائهم ومرشديهم .أي : ولقد جاءت رسلنا لبني إسرائيل بالآيات البينات ، والمعجزات الواضحات ، ( إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك ) أي : بعد الذي كتبناه عليهم من شرائع ، وبعد مجئ الرسل إليهم بالبينات ( فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ ) أي : لمجاوزون الحد في ارتكاب المعاصي والآثام ، إذ الإسراف مجاوزة حدود الحق والعدل بدون مبالاة أو اهتمام بهما . وأكد - سبحانه - جملة ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا ) بالقسم ، لكمال العناية بمضمونها ، ولبيان أن الرسل - عليهم السلام - ما قصروا في إرشاد بني إسرائيل إلى ما يسعدهم ويهديهم ، فقد جاء وهم بالشرائع البينة الواضحة التي تحمل في نفسها دليل صلاحها . والتعبير " بجاءتهم " يشير إلى أن الرسل - عليهم السلام - وصلوا إليهم ، وصاروا قريبين منهم ، بحيث يرونهم ويخاطبونهم ولا يتركون أمراً يهمهم إلا بينوه لهم .وجملة ( ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ ) معطوفة على جملة ( وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ ) .وكان العطف " بثم " المفيدة هنا للتراخي في الرتبة ، للإِشارة إلى الفرق الشاسع بين ما جاءتهم به الرسل من بينات وهدايات ، وبين ما كان عليه بنو إسرائيل من جحود وعناد وإفساد في الأرض .واسم الإِشارة " ذلك " يعود إلى المذكور من مجيء الرسل إليهم بالبينات ومن كتابة الشرائع عليهم . وفي وصف الكثيرين من بني إسرائيل بالاسراف احتراس في الحكم ، وإنصاف للقلة التي آمنت منهم ، وهذا من عدالة القرآن الكريم في أحكامه ، ودقته في تعبيراته .وذكر - سبحانه - أن إسراف الكثيرين منهم ( فِي الأرض ) مع أنه لا يكون إلا فيها ، للإِيذان بأن فسادهم وإسرافهم في القتل والمعاصي لم يكن فيما بينهم فحسب ، بل انتشر وشره في الأرض ، وسرى إلى غيرهم من سكانها المنتشرين فيها . وبذلك نرى أن هذه الآيات قد حكت لنا ما دار بين ابني آدم من محاورات أدت إلى قتل أحدهما للآخر ظلما وحسدا ، إذ الحسد يأكل القلوب ، ويشعلها بالشر كما تشتعل النار في الحطب ، وبسببه ارتكبت أول جريمة قتل على ظهر الأرض ، وبسببه كانت أكثر الجرائم في كل زمان ومكان . . كما حكت لنا أن بني إسرائيل - مع علمهم بشناعة جريمة القتل - قد أسرفوا في قتل الأنبياء والمصلحين مما يدل على قسوة قلوبهم ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه عما كانوا يلاقونه من اليهود المعاصرين لهم من عناد ومكر وأذى .
تَفْسِيرُ ٱلْبَغَوِيِّ
Tafsir al-Baghawi —
علامہ بغوی
قوله عز وجل : ( من أجل ذلك ) قرأ أبو جعفر من اجل ذلك بكسر النون موصولا وقراءة العامة بجزم النون ، أي : من جراء ذلك القاتل وجنايته ، يقال : أجل يأجل أجلا إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا ، ( كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ) قتلها فيقاد منه ، ( أو فساد في الأرض ) يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق ، أو نحو ذلك ( فكأنما قتل الناس جميعا ) اختلفوا في تأويلها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة : من قتل نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شد عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا .قال مجاهد : من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها ، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا " ومن أحياها " : من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا .قال قتادة : عظم الله أجرها وعظم وزرها ، معناه من استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه ، ( ومن أحياها ) وتورع عن قتلها ، ( فكأنما أحيا الناس جميعا ) [ في الثواب لسلامتهم منه . قال الحسن : فكأنما قتل الناس جميعا ] يعني : أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ، ومن أحياها : أي عفى عمن وجب عليه القصاص له فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا ، قال سليمان بن علي قلت للحسن : يا أبا سعيد : هي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال : إي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا ، ( ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون )