تَفْسِيرُ ٱلْمُيَسَّر
Tafsir Al-Muyassar —
کنگ فہد قرآن کمپلیکس
إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان. وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة.
تَفْسِيرُ ٱلْجَلَالَيْنِ
Tafsir al-Jalalayn —
جلال الدین محلی اور جلال الدین سیوطی
«إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده و» كما «أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» ابنيه «ويعقوب» ابن إسحاق «والأسباط» أولاده «وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا» أباه «داود زَبورا» بالفتح اسم للكتاب المؤتى والضم مصدر بمعنى مزبورا أي مكتوبا.
تَفْسِيرُ ٱلْقُرْطُبِيِّ
Tafsir al-Qurtubi —
علامہ قرطبی
إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراقوله تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح هذا متصل بقوله : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ، فأعلم تعالى أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء . وقال ابن عباس فيما ذكره ابن إسحاق : نزلت في قوم من اليهود - منهم سكين وعدي بن زيد - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله . والوحي إعلام في خفاء ؛ يقال : وحى إليه بالكلام يحي وحيا ، وأوحى يوحي إيحاء . إلى نوح قدمه لأنه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع . وقيل غير هذا ؛ ذكر الزبير بن بكار حدثني أبو الحسن علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال : أول نبي بعثه الله تبارك وتعالى في الأرض إدريس واسمه أخنوخ ؛ ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وقد كان سام بن نوح نبيا ، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا واتخذه خليلا ؛ وهو إبراهيم بن تارخ واسم تارخ آزر ، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة ، ثم إسحاق بن إبراهيم فمات بالشام ، ثم لوط وإبراهيم عمه ، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق ثم يوسف بن يعقوب ثم شعيب بن يوبب ، ثم هود بن عبد الله ، ثم صالح بن أسف ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم أيوب ثم الخضر وهو خضرون ، ثم داود بن إيشا ، ثم سليمان بن داود ، ثم يونس بن متى ، ثم إلياس ، ثم ذا الكفل واسمه عويدنا [ ص: 378 ] من سبط يهوذا بن يعقوب ؛ قال : وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة وليسا من سبط ؛ ثم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي صلى الله عليه وسلم . قال الزبير : كل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح ولوط وهود وصالح . ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة : هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين ؛ وإنما سموا عربا لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم .قوله تعالى : والنبيين من بعده هذا يتناول جميع الأنبياء ثم قال : وأوحينا إلى إبراهيم فخص أقواما بالذكر تشريفا لهم ؛ كقوله تعالى : وملائكته ورسله وجبريل وميكال ثم قال وعيسى وأيوب قدم عيسى على قوم كانوا قبله ؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب ، وأيضا فيه تخصيص عيسى ردا على اليهود . وفي هذه الآية تنبيه على قدر نبينا صلى الله عليه وسلم وشرفه ، حيث قدمه في الذكر على أنبيائه ؛ ومثله قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية ؛ ونوح مشتق من النوح ؛ وقد تقدم ذكره موعبا في " آل عمران " وانصرف وهو اسم أعجمي ؛ لأنه على ثلاثة أحرف فخف ؛ فأما إبراهيم وإسماعيل وإسحاق فأعجمية وهي معرفة ولذلك لم تنصرف ، وكذا يعقوب وعيسى وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون الألف فيهما للتأنيث فلا ينصرفان في معرفة ولا نكرة ؛ فأما يونس ويوسف فروي عن الحسن أنه قرأ " ويونس " بكسر النون وكذا " يوسف " يجعلهما من آنس وآسف ، ويجب على هذا أن يصرفا ويهمزا ويكون جمعهما يآنس ويآسف . ومن لم يهمز قال : يوانس ويواسف . وحكى أبو زيد : يونس ويوسف بفتح النون والسين ؛ قال المهدوي : وكأن " يونس " في الأصل فعل مبني للفاعل ، و " يونس " فعل مبني للمفعول ، فسمي بهما .قوله تعالى : وآتينا داود زبورا الزبور كتاب داود وكان مائة وخمسين سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام ، وإنما هي حكم ومواعظ . والزبر الكتابة ، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب ، كالرسول والركوب والحلوب . وقرأ حمزة " زبورا " بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس ، وزبر بمعنى المزبور ؛ كما يقال : هذا الدرهم ضرب الأمير أي مضروبه ؛ والأصل في الكلمة التوثيق ؛ يقال : بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة ، والكتاب يسمى زبورا لقوة الوثيقة به . وكان داود عليه السلام حسن الصوت ؛ فإذا أخذ في قراءة الزبور اجتمع إليه الإنس والجن والطير والوحش لحسن صوته ، وكان متواضعا يأكل من عمل يده ؛ روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أن كان داود صلى الله عليه وسلم ليخطب الناس وفي يده القفة [ ص: 379 ] من الخوص ، فإذا فرغ ناولها بعض من إلى جنبه يبيعها ، وكان يصنع الدروع ؛ وسيأتي . وفي الحديث : الزرقة في العين يمن وكان داود أزرق .
تَنْوِيرُ ٱلْمِقْبَاسِ مِن تَفْسِيرِ ٱبْنِ عَبَّاس
Tafsir Tanwir al-Miqbas —
حضرت ابن عباسؓ
استأنفتْ هذه الآياتُ الردّ على سؤال اليهود أن يُنَزّل عليهم كتاباً من السماء ، بعد أن حُمقوا في ذلك بتحميق أسلافهم : بقوله : { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } [ النساء : 153 ] ، واستُطردت بينهما جمل من مخالفة أسلافهم ، وما نالهم من جرّاء ذلك ، فأقبل الآن على بيان أنّ إنزال القرآن على محمّد صلى الله عليه وسلم لم يكن بِدْعاً ، فإنّه شأن الوحي للرسل ، فلم يقدح في رسالتهم أنَّهم لم ينزّل عليهم كتاب من السماء .والتأكيد ( بإنّ ) للاهتمام بهذا الخبر أو لتنزيل المردود عليهم منزلة من ينكر كيفيّة الوحي للرسل غير موسى ، إذ لم يَجْروا على موجب علمهم حتّى أنكروا رسالة رسول لم يُنْزل إليه كتاب من السماء .والوحي إفادة المقصود بطريق غير الكلام ، مثل الإشارة قال تعالى : { فخرج على قومه من المحراب فأوحَى إليهم أن سبّحوا بكرة وَعَشِيّاً } [ مريم : 11 ] . وقال داوود بن جرير :يَرْمُون بالخُطب الطِواللِ وتارةً ... وَحْيُ اللواحِظِ خيفَةَ الرقباءوالتشبيه في قوله : { كما أوحينا إلى نوح } تشبيه بجنس الوحي وإن اختلفت أنواعه ، فإنّ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان بأنواع من الوحي ورد بيانها في حديث عائشة في الصحيح عن سؤال الحارث بن هشام النّبيء صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي بخلاف الوحي إلى غيره ممّن سمّاهم الله تعالى فإنّه يحتمل بعض من الأنواع ، على أنّ الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم كان منه الكتاب القرآن ولم يكن لبعض من ذكر معه كتاب . وعدّ الله هنا جمعاً من النبيئين والمرسلين وذكر أنّه أوحي إليهم ولم يختلف العلماء في أنّ الرسل والأنبياء يُوحى إليهم .وإنَّما اختلفت عباراتهم في معنى الرسول والنبي . ففي كلام جماعة من علمائنا لا نجد تفرقة ، وأنّ كلّ نبيء فهو رسول لأنَّه يوحى إليه بما لا يخلو من تبليغه ولو إلى أهل بيته . وقد يكون حال الرسول مبتدأ بنبؤة ثمّ يعقبها إرساله ، فتلك النبوة تمهيد الرسالة كما كان أمر مبدإ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه أخبر خديجة ، ونزل عليه : { وأنذر عشيريتك الأقربين } [ الشعراء : 214 ] . والقول الصحيح أنّ الرسول أخصّ ، وهو من أوحي إليه مع الأمر بالتبليغ ، والنبي لا يؤمر بالتبليغ وإن كان قد يبلّغ على وجه الأمر بالمعروف والدعاء للخير ، يعني بدون إنذار وتبشير . وورد في بعض الأحاديث : الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، وعدّ الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً . وقد ورد في حديث الشفاعة ، في الصحيح : أنّ نوحاً عليه السلام أوّل الرسل . وقد دَلَّت آيات القرآن على أنّ الدّين كان معروفاً في زمن آدم وأنّ الجزاء كان معلوماً لهم ، فقد قَرّب ابنَا آدَمَ قرباناً ، وقال أحدهما للآخر{ إنَّما يتقبّل الله من المتّقين } [ المائدة : 27 ] ، وقال له : { إني أخاف الله ربّ العالمين إني أريد أن تَبوء بإثمي وإثمك فتكونَ من أصحاب النّار وذلك جزاءُ الظّالمين } [ المائدة : 28 ، 29 ] . ودلّ على أنَّه لم يكن يومئذٍ بينهم من يأخذ على يد المعتدي وينتصف للضعيف من القويّ ، فإنَّما كان ما تعلّموه من طريقة الوعظ والتعليم وكانت رسالة عائليَة .ونوح هو أوّل الرسل ، وهو نوح بن لامَك ، والعرب تقول : لَمَك بن متوشالح بن أخنوخ . ويسمّيه المصريون هُرمس ، ويسمّيه العرب إدريس بن يارد بن مَهْلَلْئِيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، حسب قول التَّوْراة . وفي زمنه وقع الطّوفان العظيم . وعاش تسعمائة وخمسين سنة ، وقيل تسعمائة وتسعين سنة ، والقرآن أثبت ذلك . وقد مات نوح قبل الهجرة بثلاثة آلاف سنة وتسعمائة سنة وأربع وسبعين سنة على حسب حساب اليهود المستمَدّ مِن كتابهم .وإبراهيم هو الخليل ، إبراهيم بن تارح والعرب تسمّيه آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح . ولد سنة2893 قبل الهجرة ، في بلد أوُر الكلدانيين ، ومات في بلاد الكنعانيين ، وهي سوريا ، في حبرون حيث مدفنه الآن المعروف ببلد الخليل سنة2718 قبل الهجرة .وإسماعيل هو ابن إبراهيم مِن الجارية المصرية هَاجَر . توفِّي بمكة سنة2686 قبل الهجرة تقريباً . وكان إسماعيل رسولاً إلى قومه الذين حلّ بينهم من جُرهم وغيرهم ، وإلى أبنائه وأهله ، قال تعالى : { واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّا } [ مريم : 54 ] .وإسحاق هو ابن إبراهيم مِن سارة ابنة عمّه ، توفّي قبل الهجرة سنة2613 ، وكان إسحاق نبيّاً مؤيّداً لشرع أبيه إبراهيم ولم يجىء بشرع .ويعقوب هو ابن إسحاق ، الملقّبُ بإسرائيل . توفّي سنة2586 قبل الهجرة . وكان يعقوب نبيّاً مؤيّداً لِشرع إبراهيم ، قال تعالى : { ووصى بها إبراهيم بَنيه ويعقوب } [ البقرة : 132 ] ولم يجىء بشرع جديد .والأسباط هم أسباط إسحاق ، أي أحفاده ، وهم أبناء يعقوب اثنا عشر ابناً : روبين ، وشمعون ، وجاد ، ويهوذا ، ويساكر ، وزَبُولُون ، ويوسف ، وبنيامين ، ومنسَّى ، ودَان ، وأَشير ، وثَفتالي . فأمّا يوسف فكان رسولاً لقومه بمصر . قال تعالى خطاباً لبني إسرائيل على لسان مؤمن بني إسرائيل ، أو خطاباً من الله { ولقد جاءكم يوسفُ من قبلُ بالبيِّنات فما زِلْتُمْ في شكّ ممّا جاءكم به حتّى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً } [ غافر : 34 ] . وأمّا بقية الأسباط فكان كلّ منهم قائماً بدعوة شريعة إبراهيم في بنِيه وقومه . والوحي إلى هؤلاء متفاوت .وعيسى هو عيسى ابن مريم ، وُلد من غير أب قبل الهجرة سنة622 . ورفع إلى السماء قبلها سنة589 . وهو رسول بشرع ناسخ لبعض أحكام التّوراة . ودامت دعوته إلى الله ثلاث سنين .وأيوب هو نبيء . قيل : إنّه عربي الأصل من أرض عُوص ، في بلاد أَدوم ، وهي من بلاد حَوران ، وقيل ، هو أيوب بن ناحور أخي إبراهيم ، وقيل : اسمه عوض ، وقيل : هو يوباب ابن حفيد عيسو .وقيل : كان قبل إبراهيم بمائة سنة . والصحيح أنَّه كان بعد إبراهيم وقبل موسى في القرن الخامس عشر قبل المسيح ، أي في القرن الحادي والعشرين قبل الهجرة . ويقال : إنّ الكتاب المنسوب إليه في كتب اليَهود أصله مؤلف باللغة العربيّة وأنّ موسى عليه السّلام نقله إلى العبرانيّة على سبيل الموعظة ، فظنّ كثير من الباحثين في التّاريخ أنّ أيوب من قبيلة عربيّة . وليس ذلك ببعيد . وكان أيوب رسولاً نبيّا . وكان له صاحب اسمه اليفاز اليماني هو الّذي شدّ أزره في الصبر ، كما سنذكره في موضعه . وإنّما منع اسمه من الصرف إذ لم يكن من عرب الحجاز ونجد؛ لأنّ العرب اعتبرت القبائل البعيدة عنها عجماً ، وإن كان أصلهم عربياً ، ولذلك منعوا ثمودَ من الصرف إذ سكنوا الحِجر .ويونس هو ابن متَّى من سبط زبولون من بني إسرائيل ، بعثه الله إلى أهل نَيْنوَى عاصمة الأشوريين ، بعد خراب بيت المقدس ، وذلك في حدود القرن الحادي عشر قبل الهجرة .وهارون أخو موسى بن عمران توفّي سنة 1972 قبل الهجرة وهو رسول مع موسى إلى بني إسرائيل .وسليمانُ هو ابن داود . كان نبيّاً حاكماً بالتّوراة وَمَلِكاً عظيماً . توفّي سنة1597 قبل الهجرة . وممّا أوحى الله به إليه ما تضمّنه كتاب «الجامعة» وكتاب «الأمثال من الحكمة والمواعظ» ، وهي منسوبة إلى سليمان ولم يقل فيها إنّ الله أوحاها إليه؛ فعلمنا أنّها كانت موحى بمعانيها دون لفظها .وداود أبُو سليمان هو داود بن يسي ، توفّي سنة1626 قبل الهجرة ، بعثه الله لنصر بني إسرائيل . وأنزل عليه كتاباً فيه مواعظ وأمثال ، كان بنو إسرائيل يترنّمون بفصوله ، وهو المسمّى بالزبور . وهو مصدر على وزن فَعول مثل قَبول . ويقال فيه : زبُور بضم الزاي أي مصدراً مثل الشُّكور ، ومعناه الكتابة ويسمّى المكتوب زَبوراً فيجمع على الزّبر ، قال تعالى : { بالبيّنات والزبر } [ آل عمران : 184 ] . وقد صار علماً بالغلبة في لغة العرب على كتاب داود النبي ، وهو أحد أسفار الكتاب المقدّس عند اليهود .وعُطفت جملة { وآتينا داوود زبورا } على { أوحينا إليك } . ولم يعطف اسم داود على بقيّة الأسماء المذكورة قبله للإيماء إلى أنّ الزبور موحى بأن يكون كتاباً .وقرأ الجمهور { زَبورا } بفتح الزاي ، وقرأه حمزة وخلف بضمّ الزاي .
ٱلتَّفْسِيرُ ٱلْوَسِيط
Tafsir Al-Waseet —
علمائے جامعہ ازہر
ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعوته ، وأنه ليس بدعا من الرسل ، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم ، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى - فقال - سبحانه - : ( إِنَّآ أَوْحَيْنَآ . . . . بالله شَهِيداً ) .قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر - سبحانه - بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد ، ولكن لأجل العناد واللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم . . . شرع - سبحانه - بعد ذلك فى الجواب عن شبهاتهم فقال : ( إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ ) .وقوله ( أَوْحَيْنَآ ) من الإِيحاء و الوحى . والوحى فى الأصل : الإِعلام فى خفاء عن طريق الإِشارة ، أو الإِيماء ، أو الإِلهام ، أو غير ذلك من المعانى التى تدل على أنه إعلام خاص ، وليس أعلاما ظاهراً .والمراد به هنا إعلام الله - تعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره .والمعنى : إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا نواهينا وهداياتنا . . كما اوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده . فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل ، وإنما أنت رسول من عند الله - تعالى - تلقيت رسالتك منه - سبحانه - كما تلقاها غيرك من الرسل .وأكد - سبحانه - خبر إيحائه صلى الله عليه وسلم ، للاهتمام بهذا الخبر ، ولإِبطال ما أنكره المنكرون لوحى الله - تعالى - على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا : ( مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ) وبدأ سبحانه؛ بنوح عليه السلام ، لأنه الأب الثانى للبشرية بعد آدم عليه السلام ، ولأن فى ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية ، فقد أجاب الله تعالى ، دعاءه فى الكافرين فأغرقهم أجمعين .قال الجمل : وإنما بدأ الله - تعالى - بذكر نوح - عليه السلام - لأنه أول نبى بعث بشريعة ، وأول نذير على الشرك . وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته . وكان أطول الأنبياء عمرا .والتشبيه فى قوله : ( كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ ) تشبيه بجنس الوحى ، وإن اختلفت أنواعه ، واختلف الموحى به .والكاف فى قوله ( كَمَآ ) نعت لمصدر محذوف ، ( مَآ ) مصدرية . أى : إنا أوحينا إليك إيحاءاً مثل إيحائنا إلى نوح - عليه السلام - .وقوله ( مِن بَعْدِهِ ) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للبنيين أى : والنبيين الكائنين من بعده أى : من بعد نوح .وقوله : ( وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط ) معطوف على أوحينا إلى نوح ، داخل معه فى حكم التشبيه .أى : أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، وكما أوحينا إلى إبراهيم من آزر ، وكما أوحينا إلى ابنه اسماعيل ، وابنه إسحاق ، وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق ، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب .قال الآلوسى : والأسباط هم أولاد يعقوب - عليه السلام - فى المشهور . وقال غير واحد : إن الأسباط فى ولد إسحاق كالقبائل فى أولاد إسماعيل وقد بعث منهم عدة رسل . فيجوز أن يكون - سبحانه - أراد بالوحى إليهم ، الوحى إلى الأنبياء منهم . كما تقول : أرسلت إلى بنى تميم ، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنيباء ، بل الذى صح عندى - وألف فيه الجلال السيوطى رسالة - خلافه .وكرر - سبحانه - كلمة ( وَأَوْحَيْنَآ ) للإِعار بوجود فترة زمنية طويلة بين نوح وبين إبراهيم - عليهما السلام - .ثم ذكر - سبحانه - عدداً آخر من الأنبياء تشريفا وتكريما لهم فقال ( وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) .أى : أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين ، وكما أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذى أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة المتعنتة ، وإلى أيوب الذى ضرب به المثل فى الصبر ، وإلى يونس بن متى الذى لم ينس ذكر الله وهو فى بطن الحوت ، وإلى هارون أخى موسى ، وإلى سليمان بن داود الذى آتاه الله ملكما لم يؤته لأحد من بعده .وقوله : ( وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) معطوف على قوله : أوحينا ، وداخل فى حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإِيحاء .وأوثر . قوله هنا : وآتينا على أوحينا؛ لتحقق المماثلة فى أمر خاص وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها فى مطلق الإِيحاء .والزبور - بفتح الزاى - اسم الكتاب الذى أنزله الله على داود - عليه السلام - قالوا : ولم يكن فيه أحكام ، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء على الله - تعالى - .ولفظ ( زبور ) هنا بمعنى مزبور أى متكوب . فهو على وزن فعول ولكن بمعنى مفعول . وزبر معناه كتب . أى : وآتينا داود كتابا مكتوبا .
تَفْسِيرُ ٱلْبَغَوِيِّ
Tafsir al-Baghawi —
علامہ بغوی
قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك ) هذا بناء على ما سبق من قوله يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ( النساء - 153 ) ، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل ، وقالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فنزل : " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء " ( الأنعام - 91 ) وأنزل : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم ، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام ، قال الله تعالى : " وجعلنا ذريته هم الباقين " ( الصافات - 77 ) ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة ، وأول نذير على الشرك ، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته ، وأهلك أهل الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء عمرا وجعلت معجزته في نفسه ، لأنه عمر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوة ، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره .قوله تعالى : ( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) وهم أولاد يعقوب ، ( وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ) قرأ الأعمش وحمزة : ( زبورا ) والزبور بضم الزاي حيث كان ، بمعنى : جمع زبور ، أي آتينا داود كتبا وصحفا مزبورة ، أي : مكتوبة ، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام ، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل ، وكان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل ، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ، ويقوم الجن خلف الناس ، الأعظم فالأعظم ، والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه ، والطير ترفرف على رءوسهم ، فلما قارف الذنب لم ير ذلك ، فقيل له : ذاك أنس الطاعة ، وهذه وحشة المعصية .أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو بكر الجوزقي ، أنا أبو العباس ، أنا يحيى بن زكريا ، أنا الحسن بن حماد ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن طلحة بن يحيى ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود " ، فقال : أما والله يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لحبرته " وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه يقول : ذكرنا يا أبا موسى ، فيقرأ عنده .